هل يؤدي انفجار بيروت الهائل إلى تغييرات كبيرة في الحياة السياسية في لبنان؟

26 أغسطس / 2020

Spread the love

هل فات الأوان على إصلاح دولة محطمة؟

في 4 آب/أغسطس، عصف انفجار هائل مدينة بيروت جعل الناس في جزيرة قبرص، على بعد 240 كلم يعتقدون أنّ زلزالاً قد حصل. وقد أدى هذا الانفجار إلى مقتل أكثر من 150 شخص، وإصابة أكثر من 5 آلاف، وإلى تدمير أكثر من 30 ألف مبنى ومنزل، محولاً مرفأ بيروت إلى كومة كبيرة من الحطام. وقالت الحكومة اللبنانية إنّ السبب هو 2750 طنًا من نيترات الأمونيوم الذي يمكن استخدامه كسماد أو كمادة متفجرة. ويبدو أنّه قد تمت مصادرة هذه الكمية من نيترات الأمونيوم من سفينة شحن روسية كانت تتجه إلى الموزمبيق. وكان مسؤولو المرفأ قد اقترحوا تصدير المادة، أو تقديمها للجيش، أو بيعها لشركة متفجرات، ولكنهم كانوا بحاجة إلى موافقة القضاء على ذلك. وقد لم تلقى طلباتهم ورسائلهم المتلاحقة حول هذا الموضوع أيّ ردّ، فتمّ تخزين المادة في أحد مخازن المرفأ المعروف باسم “عنبر 12”.

أيّ نوع من الحكومات تترك جبلاً من المواد الكيميائية المتفجرة مخزنة بشكل غير آمن لسنوات عدّة في مرفأ حيويّ للبلد وعلى مقربة من أكثر المناطق المأهولة بالسكان في البلد؟ إنّها الحكومة نفسها التي لم تتمكن من الاتفاق على ميزانية للبلد لمدة 11 عامًا، تركت مصرفها المركزي يتحكم بسعر صرف غير واقعيّ لليرة اللبنانية. إنها الحكومة المغرورة التي تتكّل على المساعدات، والقروض، وحوالات المهاجرين، والتي تنفق أكثر بكثير ممّا تجني. وهي حكومة تسيطر عليها نخبة فوق سلطة أيّ قانون أو دستور تعتمد أساليب الخداع والابتزاز فيما ينهار الاقتصاد. بكلّ اختصار، إنها حكومة لبنان – وهي بأمسّ الحاجة للإصلاح.

كان كلّ ذلك معروفًا حتى قبل الانفجار الذي دفن بيروت تحت الزجاج المتكسّر والركام. فكان البلد يعيش أزمة اقتصادية عميقة سببها قطاع مصرفي فاسد. فخسرت الليرة اللبنانية حوالى 80% من قيمتها في السوق السوداء مقابل الدولار الأميركي. وبما أنّ لبنان يستورد معظم سلعه، ارتفع التضخم إلى مستويات مخيفة، وباتت القدرة الشرائية لدى اللبنانيين شبه معدومة. ومنذ بضعة أشهر، تخلفت الدولة عن تسديد ديونها.

وقد طلبت هذه الحكومة المساعدة من صندوق النقد الدولي ولكنّ الأخير يودّ أن تُظهر هذه الحكومة نوعًا من حسن النية عبر سنّ قانون جديد لضبط رأس المال أو إصلاح كهرباء لبنان التي يتكبد لبنان بسببها خسائر كبيرة. ولكنّ الحكّام اللبنانيون لا يمكنهم حتّى الاتفاق على حدّة الأزمة، فقد أضاعوا أسابيعًا من المشاحنات حول كيفية تقدير الخسائر التي تكبدها البنك المركزي. وحتى أنّه قد طفح الكيل لدى بعض المسؤولين الحكوميين اللبنانيين حيث قدّم وزير الشؤون الخارجية، ناصيف حتي، استقالته في 3 آب/أغسطس، كاتبًا فيها: “لقد شاركت في هذه الحكومة على أساس أن يكون لي ربّ عمل واحد وهو لبنان… ولكنني وجدت أنّه في بلدي أرباب عمل كثيرين مع مصالح متضاربة كثيرة.”

وهذه طريقة جديدة لوصف مشكلة قديمة. فلعقود كان لبنان قد قسّم سلطته السياسية على الطوائف والمذاهب واستخدم ذلك كأداة لحفظ السلام فيما بينها. وعلى الرغم من أنّ هذا النظام قد وُضع لضمان أنّ كلّ اللبنانيين ممثلين في الحكومة، إلا أنّ نخبة راسخة اختطفت هذا النظام وجعلته أداة لها. فباتت هذه النخبة تقدّم الوظائف الحكومية استنادًا للمذهب. ومع السلطة المضمونة، يمكنها نهب الوزارات. فتفشى الفساد. ويقول سكان بيروت إنّ الانفجار حصل في مرفأ المدينة الذي يطلق عليه أيضًا اسم “مغارة علي بابا والأربعون لصًا” بفضل الادعاءات بالسرقة، والرشوة، والاختلاس التي كانت تحصل في هذا المرفأ.

ويريد معظم اللبنانيين إلغاء النظام الطائفي ونظام تشارك السلطة، وبدأ الولاء للوطن أولاً يزداد مقارنة بالولاء للطائفة أو المذهب. هذا وكانت التظاهرات الكبيرة التي حصلت في شهر تشرين الأول/أكتوبر في البلاد قد أجبرت الحكومة السابقة التي كانت أيضًا غير كفؤة على الاستقالة، أتت تاليتها واعدة بالإصلاح، ولكنها لم تحقق سوى القليل القليل قبل استقالتها بعد أيام من الانفجار.

والسبب وراء ذلك هو أنّ المصالح الشخصية تقف في طريق أي حكومة. فأسياد الحرب الذين دمّروا لبنان وأحرقوه خلال الحرب الأهلية هم اليوم نخبة البلد السياسية التي تنهبه. وهناك الكثير من القوى الخارجية، مثل إيران والمملكة العربية السعودية، التي تحاول دائمًا إحباط بعض الإصلاحات وذلك لأنها تفيد أعداءها وتضعف حلفاءها. ويستخدم أصحاب السلطة قوّتهم لجذب وشراء ولاء متابعيهم، ما يجعل أيّ تغيير صعبًا وبطيئًا.

والآن، أتى انفجار بيروت، ليدمّر مرفأ المدينة، ومبانيها، وحياة قاطنيها وسبل معيشتهم، فحطّم أحلام الشباب اللبناني وتطلعاته نحو تحسين المستقبل ومحاولة تأمين مستقبل أفضل للأجيال القادمة. أتى هذا الانفجار ليجبر امرأة مسنّة على مغادرة بيتها التي عاشت فيه طوال حياتها وعايشت فيه حروبًا ونزاعات، لتترك معها ذكرياتها الجميلة والحزينة. أتى هذا الانفجار ليطلق رصاصة الرحمة على اقتصاد متعثر وليرة لبنانية منهارة.

وهذه المرّة، لم يكن القتال الحربي أو الاحتلال الأجنبي الذي دمّر نصف العاصمة بيروت، بل إنّه عدم كفاءة الدولة المكسورة. ولا يمكن إصلاح ذلك إلّا عبر العمل الجريء.

ولكن، هل فات الأوان؟

هل سنعرف من المسؤول؟ وهل من يحاسب؟

 

جزء من المقال مقتبس عن مقال في مجلة إيكونوميست